Science · · 3 min read
دراسة تلسكوبية تحسّن تقدير كمية الهيليوم التي تشكّلت بعد الانفجار العظيم
خفّضت عمليات رصد 15 مجرة بدائية كيميائياً مستوى عدم اليقين في وفرة الهيليوم الأصلية في الكون إلى 0.5%.
أجرى علماء الفلك حتى الآن أدق تقدير لكمية الهيليوم التي تشكّلت في الدقائق الأولى من عمر الكون، مستندين إلى عمليات رصد 15 مجرة صغيرة لم يتغير تركيبها الكيميائي إلا قليلاً بمرور الزمن. ووفقاً لما أوردته SciTechDaily، خفّضت النتيجة مستوى عدم اليقين المحيط بالقياس إلى 0.5%، أي نحو ثلث المستوى السابق.
وتستند نتائج الفريق الدولي إلى 130 ساعة من عمليات الرصد باستخدام تلسكوب ثنائي العينين الكبير. واستخدم العلماء البيانات لدراسة الهيليوم والهيدروجين في مجرات تحتفظ بسجل مباشر نسبياً لظروف الكون الفتي. وكان باحثون من جامعة مينيسوتا التوأم من بين المشاركين في الدراسة.
وتظهر الدراسة في خمس أوراق بحثية في The Astrophysical Journal. وهي تمنح الفيزيائيين اختباراً أكثر صرامة للنظريات المتعلقة ببدايات الكون، وبالجسيمات والقوى التي يصفها النموذج المعياري.
البحث عن سجل كوني مبكر
الهيليوم هو ثاني أخف عنصر كيميائي، وأحد المنتجات الرئيسية المتوقعة من المراحل الأولى للكون. وتحمل الكمية الموجودة اليوم معلومات عن الفترة التي كان فيها الكون لا يتجاوز عمره بضع دقائق، بعد وقت قصير من بدء تمدده من حالة شديدة السخونة والكثافة.
ولسنوات طويلة، قدّر علماء الفلك مستوى الهيليوم الأصلي بصورة غير مباشرة. فقد رصدوا مجموعة واسعة من المجرات، وقارنوا محتواها من الهيليوم بمؤشرات أخرى على التغير الكيميائي، ثم أسقطوا النمط عكسياً باتجاه نقطة لم تكن فيها سوى كميات قليلة من العناصر الأثقل. وتعتمد هذه العملية، المعروفة باسم الاستقراء، على مدى موثوقية تمديد الاتجاه إلى ما بعد نطاق عمليات الرصد.
أما الدراسة الجديدة فركّزت بدلاً من ذلك على بعض أقل المجرات المعروفة تطوراً من الناحية الكيميائية. ولأن هذه الأنظمة راكمت عدداً أقل من العناصر خلال تاريخها، فإن غازها أقرب إلى التركيب الذي خلّفه الكون المبكر. وقد أتاح ذلك للباحثين الاعتماد بدرجة أقل على نقطة بداية محسوبة، وبدرجة أكبر على قياسات أجسام تحتفظ ببصمة كيميائية بدائية نسبياً.
ولا يلغي هذا النهج الحاجة إلى تحليل دقيق. فعند مستوى الدقة الذي استهدفه الفريق، تصبح حتى التأثيرات الصغيرة التي تدفع النتيجة بصورة منهجية بعيداً عن القيمة الحقيقية مهمة. وكانت الدراسات السابقة قد تعاملت مع عدة تأثيرات من هذا النوع باعتبارها أصغر من أن تؤثر في الاستنتاج العام. لكن عندما انخفض مستوى عدم اليقين المستهدف إلى أقل من 1%، اضطر الفريق إلى نمذجتها صراحة.
قراءة ضوء المجرات
استخدمت عمليات الرصد مطيافات طوّرتها جامعة ولاية أوهايو. وتقوم هذه الأجهزة بتوزيع ضوء كل مجرة على أطوال موجية، كاشفةً خطوطاً طيفية مرتبطة بعناصر معينة. وتوفر هذه الخطوط المعلومات اللازمة لتحديد الكميات النسبية للهيليوم والهيدروجين في الغاز المرصود.
وبدلاً من الاعتماد على سمة واحدة، فحص الباحثون في الوقت نفسه أكثر من 10 خطوط للهيليوم و15 خطاً للهيدروجين. وساعدت مقارنة الخطوط معاً على تحديد التأثيرات المنهجية التي كان يمكن أن تشوّه تقدير الوفرة وتصحيحها.
وقال ريتشارد بوغ، أستاذ علم الفلك في جامعة ولاية أوهايو، إن مطيافات MODS استغرق تطويرها 12 عاماً قبل وصولها إلى التلسكوب. وأضاف أن استخدامها بنجاح في هذا المشروع أظهر الغاية من بناء أجهزة قادرة على إجراء قياسات أساسية.
وقال إيفان سكيلمان، أستاذ الفيزياء وعلم الفلك في جامعة مينيسوتا، إن الفريق وضع هدفاً يتمثل في بلوغ مستوى عدم يقين قدره نصف في المئة ونجح في تحقيقه. وتمثل النتيجة تحسناً كبيراً في الدقة، لا مجرد إضافة تقدير آخر إلى نطاق قائم.
اختبار لتاريخ الكون وفيزياء الجسيمات
تُعد وفرة العناصر الخفيفة واحدة من ثلاثة أنواع رئيسية من الأدلة على رواية الانفجار العظيم للتاريخ الكوني. والنوعان الآخران اللذان أبرزتهما الدراسة هما استمرار تمدد الكون، وإشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وهو الإشعاع المتبقي من مرحلته المبكرة. وقد دُرس الهيليوم على نحو أقل شمولاً من الإشارتين الأخريين، ما يجعل قياس وفرة أكثر دقة مفيداً بصفة خاصة.
ويمكن أيضاً مقارنة الهيليوم بتنبؤات النموذج المعياري، وهو الإطار الذي يستخدمه الفيزيائيون لوصف الجسيمات الأولية وتفاعلاتها. وقد يشير اختلاف الوفرة المقاسة عن القيمة المتوقعة إلى مكونات مفقودة في ذلك الإطار، بينما سيضع التوافق قيوداً أكثر صرامة على البدائل الممكنة.
واستخدم الفريق نتيجة الهيليوم التي توصل إليها لحساب عدد عائلات النيوترينوات الموجودة في الكون المبكر. والنيوترينوات جسيمات دون ذرية خفيفة للغاية، ويؤثر تعدادها المبكر في الظروف التي تشكّلت فيها العناصر الخفيفة الأولى. ويربط ذلك الحساب بين عمليات رصد المجرات القريبة ومحتوى الكون من الجسيمات عندما كان عمره لا يتجاوز بضع دقائق.
ونُشرت ورقة منهجية المشروع في 9 سبتمبر 2026. ويشمل مؤلفوها علماء من جامعة مينيسوتا وجامعة ولاية أوهايو ومؤسسات أخرى. ومن خلال الجمع بين مجرات بدائية على نحو استثنائي، وعمليات رصد تلسكوبية طويلة، ومعالجة مفصلة لخطوط طيفية متعددة، تحوّل الدراسة قياس عنصر إلى أداة أدق لاستقصاء أصل الكون والفيزياء التي تحكمه معاً.