Science · · 3 min read
دراسة تربط سمّية السيستين بفرط الحديد في الميتوكوندريا
تُظهر أبحاث من جامعة روكفلر كيف يحرّر فائض السيستين الحديد المخزّن، ويتلف الميتوكوندريا ويقتل الخلايا.
حددت دراسة الآلية التي تجعل فائض السيستين قاتلاً للخلايا: إذ يستطيع هذا الحمض الأميني انتزاع الحديد من الفيريتين ودفع هذا المعدن إلى الميتوكوندريا، حيث يعطّل إنتاج الطاقة. وتساعد النتائج، التي أبلغت عنها جامعة روكفلر ونُشرت في Nature Metabolism، على تفسير سبب إبقاء الخلايا مستويات السيستين الحر منخفضة على نحو غير معتاد.
السيستين واحد من الأحماض الأمينية العشرين المستخدمة في تركيب البروتينات. كما يشارك في الحفاظ على التوازن الكيميائي للخلية، وإنتاج عناقيد الحديد-الكبريت، وصنع الغلوتاثيون، وهو أحد مضادات الأكسدة الخلوية الرئيسية. لكن السيستين، خلافاً للأحماض الأمينية الأخرى البانية للبروتينات، يصبح ضاراً بشدة عندما يتراكم.
يشير العمل الجديد إلى أن الخطر لا ينجم ببساطة عن التفاعل الكيميائي للسيستين، بل عن تأثيره في تخزين الحديد ونقله. فعبر تحرير الحديد الموجود عادة داخل الفيريتين، يتسبب السيستين في تراكم المعدن داخل الميتوكوندريا. ويؤدي الضرر الناتج إلى إضعاف العُضيّات التي تزود الخلية بالطاقة، ويتسبب في نهاية المطاف في موت الخلية.
جزيء ضروري ضمن نطاق آمن ضيق
تحتاج الخلايا إلى السيستين، لكنها تتجنب عموماً السماح ببقاء كميات كبيرة منه في شكله الحر. وبدلاً من ذلك، تستخدمه سريعاً لصنع الغلوتاثيون، الذي يمكن أن يوجد بتركيزات أعلى بكثير من دون إحداث الأثر السام نفسه.
لطالما شكّل هذا الاختلاف لغزاً بيولوجياً. فكل من السيستين والغلوتاثيون يحتوي على مجموعة كبريت تفاعلية، ولذلك لا يمكن تفسير تأثيراتهما المتباينة بمجرد وجود هذه السمة الكيميائية. وسعى باحثون بقيادة كيفانش بيرسوي في جامعة روكفلر إلى تحديد سبب ميل الخلايا إلى تفضيل الغلوتاثيون بوصفه مضاد الأكسدة الرئيسي لديها، مع تقييد السيستين الحر بشدة.
ولهذا السؤال أهمية عملية أيضاً. فقد أشارت بعض الأبحاث إلى أن مكملات السيستين قد تكون لها فوائد، لكن نتائج الدراسة تسلط الضوء على المخاطر المحتملة لتعريض الخلايا لتركيزات عالية من الحمض الأميني. ويمكن أن يؤدي القليل جداً من السيستين إلى خفض إنتاج الغلوتاثيون والمساهمة في موت الخلايا؛ بينما قد يتسبب الكثير منه في شكل منفصل من الضرر المرتبط بالحديد.
استخدم الفريق فحصاً جينومياً شاملاً بتقنية كريسبر لتعطيل الجينات في الخلايا وتحديد التغيرات التي سمحت لها بالبقاء على قيد الحياة عند التعرض للسيستين. وبرز دليلان. تمثل أولهما في SLC25A28، الذي ينتج ناقلاً ينقل الحديد إلى الميتوكوندريا. أما الدليل الآخر فتعلق بالبروتينات التي تساعد على تفكيك الفيريتين، وهو المُركّب المسؤول عن تخزين الحديد في صورة آمنة نسبياً.
وجهت تلك النتائج الباحثين نحو وجود صلة بين السيستين والفيريتين. وأظهرت تجارب لاحقة أن السيستين يتفاعل مع الحديد الموجود في الفيريتين ويحوّله إلى حالة يمكنه فيها مغادرة مُركّب التخزين. ولم يُحدث الغلوتاثيون، رغم احتوائه على مجموعة مشابهة حاوية للكبريت، التحرير نفسه للحديد.
الحديد ينقلب على منظومة طاقة الخلية
بعد تحريره، نُقل الحديد إلى الميتوكوندريا. وهناك ألحق الضرر ببروتينات الحديد-الكبريت، وهي ضرورية لعمليات عدة تدعم توليد الطاقة في الميتوكوندريا. ومع تعطل هذه الأنظمة، انهار إنتاج الطاقة وماتت الخلايا.
اختبر الباحثون أيضاً ما إذا كان قطع هذا المسار يمكن أن يمنع الضرر. فقد حمى حجب تحرير الحديد من الفيريتين، أو وقف حركته إلى الميتوكوندريا، الخلايا من تركيزات السيستين التي كانت سامة لولا ذلك. وربطت هذه التجارب التعرض للسيستين بموت الخلايا عبر سلسلة محددة من الأحداث، لا عبر إجهاد كيميائي عام فحسب.
وتقدم النتائج تفسيراً تطورياً لتفضيل الخلايا للغلوتاثيون. فقد يتطلب تغليف السيستين في ذلك المضاد للأكسدة طاقة، لكنه يمنع الحمض الأميني من التفاعل مع الحديد المخزّن وتهديد الميتوكوندريا. ووفقاً لهذا التصور، فإن الحفاظ على مخزون صغير من السيستين الحر يمثل استراتيجية وقائية لحماية الآلية المنتجة للطاقة في الخلية.
تداعيات محتملة على أبحاث السرطان
قد يفيد هذا الاكتشاف في نهاية المطاف أبحاث أيض السرطان. فبعض الخلايا السرطانية تغيّر طريقة استخدامها للمغذيات وتمتص كميات كبيرة على نحو غير معتاد من شكل مؤكسد من السيستين. وقد يؤدي هذا السلوك إلى تراكم خطير محتمل للسيستين، ما يعني أن هذه الخلايا قد تحتاج إلى تكيفات تمنع تراكم الحديد في ميتوكوندرياتها.
وإذا أمكن تحديد تلك التكيفات الوقائية، فقد يتمكن الباحثون من التدخل فيها وكشف نقطة ضعف خاصة بالخلايا السرطانية. ولا تثبت الدراسة وجود علاج، لكنها تشير إلى أن التعامل مع الحديد وحماية الميتوكوندريا قد يكونان مجالين محتملين للبحث مستقبلاً.
في الوقت الراهن، يمثل هذا العمل تقدماً في علم الأحياء الأساسي بالدرجة الأولى. ويواصل مختبر بيرسوي دراسة كيفية اكتشاف الخلايا للجزيئات المتفاعلة كيميائياً والتحكم فيها، بما في ذلك كيفية تغير هذه الأنظمة في السرطان وأمراض أخرى. ويتمثل الإسهام المركزي للدراسة في إظهار سبب أهمية إبقاء السيستين شحيحاً: إذ يمكن للسيستين غير المنضبط أن يحرر الحديد، ويمكن لهذا الحديد أن يعطّل الآلية التي تبقي الخلايا حية.